الأحد، 14 مارس، 2010

بين اللحى والنقاب يتناحر الذباب

اخرج ـ كعادة أهل مهنتي ـ باكراً ، محتسباً ظروف الطريق والمواصلات والزحام والمقدر والمستخبي ـ واللي منعرفوش ـ حاملاً بين يدي حقيبة مملوءة بالهموم والطعون وأحكام القضاء والقدر ، مخلفاً ورائي كل معطيات الأمس ونتائجه .
أركب الميكروباصات عادة والميني باصات غالباً والمترو دائماً والأتوبيسات المكيف منها والمميز والعادي أحياناً والتاكسيات عاجلاً متعجلاً ، وليس ذلك ترفاً مني أو ـ قنعرة ـ وفخراً كاذباً ، ولكن من لسعته الشوربة وجب عليه أن ينفح في سلطانية الزبادي .
أي نعم فالسرقة حدها في الشريعة الإسلامية قطع اليد ، وفي القانون الحبس إن كانت جنحة بسيطة أو السجن إن اتصل بها ظرف مشدد كالإكراه أو أن تكون قد تمت في جنح الليل المظلم ، بل إنها إن كانت كذلك ، فإنها قد تبيح القتل كرد فعل طبيعي شرعي للدفاع عن المال كحالة الدفاع عن النفس أو عن العرض والشرف .
ولك يا سيدي أن تمنح نفسك كل الحيطة والحذر إن كنت من ركاب الأتوبيس الدائمين ، فلن تنجو في إحد المرات من سطو غير شرعي على ممتلكاتك الظاهرة والباطنة ، وإن كنت يا قارئي أنثى حسيبة النسب والأصل ، فلن تفلتي من سطو على ما هو أغلى وأثمن ولن تجديك في هذا الأمر أي حصانة أو مناعة .
ما علينا .. ولأنني هنا لست بصدد الحديث عما سبق ذكره ، لكنه هكذا الحديث دائماً يتبع بعضه بعضه .
المهم يا أخوتي الأعزاء ، ألتقي أثناء ركوبي الميكروباص شخصاً لم ألقه منذ شهور ، فتى وسيماً ، يبلغ من الأعوام بعد العشرين بسنتين ، حاصلاً على مؤهل متوسط ، يلبس لباساً إفرانجياً ـ تي شيرت وبنطال من الجينز ـ ذو لحية ظاهرة ، ونظارة عدساتها مقعرة ، منزوياً في ركن بالكرسي قبل الأخير ، أسلم عليه وأجلس جانبه ، نتسابق كلانا لدفع الأجرة فيدفع للراكب الذي يجلس أمامنا بيده اليمنى ممسكاً يدي بيده اليسرى رافضاً أن أدفع بدلاً عنه .
نتشاطر أطراف الحديث ، بعد السؤال عن الصحة والأحوال ، يسألني عن وجهتي ومكان قصدي فأخبره أنني ذاهب إلى محكمة مصر الجديدة الجزئية ، فيبتسم معرباً عن سعادته أنه سيستقل الترام معي مكملاً مشواره ذاهباً لمقر عمله بشارع هارون بمصر الجديدة .
هذه المرة أسبقه فأسدد نيابة عنه أجرة ركوبه الترام الحلزوني اللولبي ، ويستطرد معي حديثه ليخبرني عن فشله في خطبته ، فاسأله عن السبب ، ليجيبني بأنها تخلت عما كانا قد اتفقا عليه رافضة ارتداء النقاب ، أقول له : طيب مش انت عرفتها من غير نقاب ؟ طيب ليه عايز تفرض عليها ده ، فيجيب : ايوه بس احنا اتفقنا انها تلبسه قبل ما نتجوز ، وقولتلها إنها لو لبسته وفضلت وكملت معاكي يبقى إحنا كده كويسين ، ولو محصلشي نصيب يبقى إنت كده استفدتي بإنك إلتزمتي .
سيطرت علي وهلة من الصمت وعقدت حاجبي في استغراب سائلاً إياه : طيب يا ابني ما هي وافقت وهيه مش عايزة ، وبعدين رجعت في كلامها إيه المشكلة يعني ، هوه النقاب ده هوه اللي هيخليكوا سعدا .
قال لي : يا باشا ما هو انت مش فاهم ، قلت له : مش فاهم ايه بالظبط ، قال لي : مش فاهم إنها لو لبست النقاب ده مش هتعرف تخلعه ، قلت له مازحا ً : ليه ؟ هوه بيتلبس مرة واحدة بس وبيتخيط عليها ؟ تصدق كنت فاكره بسوسته !
رد علي غاضباً : يا باشا النقاب ده لو الواحدة لبسته وبعدين جت قلعته ، يبقى حتحس إنها عريانه قدام الناس ، كأنها مش لابسه حاجه خالص ، ضحكت عجباً واستغرابا وقلت له مستفسراً عن السر ومستفزاً له : ليه ؟ هوه بيلزق في الهدوم اللي تحته ولما الواحدة بتقلعه بيطلع بيها .
زاد غضبه لكنه لم يفقد احترامه لي قائلاً : اسأل الشيوخ اللي تعرف ، هيقلولك كده ، اسالهم وانت تعرف . قلت له : من غير ما أسأل ، انت برده سبتها ليه ؟ النقاب هو السبب الوحيد ، رد علي وقال لي : بص يا باشا هيه قالتلي مش هلبس نقاب أنا هلبس اسدال ، لكن أنا قلتلها لأ ، أصل الإسدال ممكن تقلعه لكن النقاب لأ ، يا باشا أمها زانه في دماغها ، هخليها تنفعها ، أنا هروح عند أخوان طيبين ، وأشوفلي أخت كويسه منقبة ، وأشوفها الرؤية الشرعية ، مهو لازم الواحدة تكون جميلة برده ، مش هاخد على عمايا كده ، وهيه ـ يقصد خطيبته السابقة ـ خلي أمها تنفعها ، إحنا بصراحة كنا بنحب بعض ، بس أنا مينفعنيش تلبس بناطيل ، والوش يا باشا لازم يتغطى ، أيوه لازم يتغطى .
أسرح في خيالاتي مبتعدا بأفكاري عن كلماته الحمقاء ، لكنه يفاجأني قائلا : المحكمة ، يلا انزل يا باشا المحكمة جت .
أنزل من الترام متوجها إلى مكتب شئون الاسرة بمحكمة الأسرة لأحضر مع زوج ملتحي في نزاع شرعي ضد زوجته المنقبة ، أمام خبيرين نفسي وإجتماعي لمعالجة المشكلات الأسرية قبل رفع النزاع إلى المحكمة في حالة عدم التوفيق بين المتاخصمين .
تتوالى الإتهامات على موكلي الزوج ذو اللحية الكثيفة من زوجته المنقبة بأنه لا ينفق عليها وعلى أولادها ، وأنه دائم التعرض لها بالضرب والسب ، وتستمر في إلقاء الإتهامات مؤيدة كلامها بحلف يمين الله على صدق كلامها وأقوالها
يرد الزوج عليها إدعاءاتها حالفاً بالله مشهداً الحاضرين على كذبها .
أتركهم منصرفاً ، رافضاً الجلوس ، تاركا الأمر لله ، فهو الحسب وهو نعم الوكيل .

الخميس، 11 مارس، 2010

فناء

منتهى الإدراك أن تتلفظ بالتوبة حينما تمتلئ كأسك بالأثام ، وتتجلى على إثرها فيك رغبتك للتخلص منها ، تكون قد تجرعت من ذات الكأس التي تعرف مذاق ثمالتها معرفة الخبيريبن المجربين । لن تنجو ـ صدقني ـ مما سيعلق بلعابك من طعم مرير ، ولا يملأ حلقك غير الجفاف ।لن تطعم بعدها طعاما ـ خوفا من إختلاط ذلك الإحساس بالحواس ॥ فهي الحواس ليس لها الفكاك من براثن دوام الأثر القديم للجرح النازف من جفاف جوفك وغباء نزواتك ।لن تجديك الذكريات ॥ ولن تنفعك ما حملت من تذكارات ॥ فكلها تقبع حولك ساكنة بل إن وجودها يثير حنقك أكثر فأكثر ، فما أقسى أن تتذكر ليلات القرب وأنت في مجاهل البعد السحيق ।هذه اللظى ॥ وهذه الجحيم المستعرة التي تنبعث من عقلك الأن ما هي إلا عود ثقاب ظللت تحافظ على شعلته الرقيقة دائما كي يكون هديا لك وقربانا للظلام الذي لم يتبدد رغم استمرارك في الحرص وحرصك على الاستمرار ।معادلاتك الخيالية الخائبة التي بنيتها على أساس مذبذب كانت في حاجة لعامل حفاز مؤثر لكي تعطيك نتاجا مرضيا ॥ ووقتما كان لك الحصول على المحفز القوي كان يتوجب عليك إختيار موادك الكيميائية بعناية الخوف من الموت لا بحب البقاء .كان عليك وجوب اتباع التعليمات لا أن تبتكر الخرافات ، فمن ذا الذي وضع بقلبك أن لهيب النار يرضى اختلاطه بقطر الماء ، أو أن ذرات التراب تسعى للسكن خلف أبواب الرياح .كلها همهمات ॥ هي أضغاث أحلام ليس لنا فيها التأويل ، وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ।هي التي تلف لتدور ، وأنت الذي تقف لتثبت ، هي التي تسافر لتتخطى وتعبر ، وأنت الذي تنعقد من حولك سلاسلا لتصنعك صنما زجاجيا ليس له لون ॥ ليس له جوف ॥ ليس له روح ।إنهرت كما إنهارت دموعك إثر زوال شمس غرورك ، وأطبقت شفتيك واجما كما أطبقوا شفاههم حزنا على ذوبان روحك الساخرة ।حُملت أكثر مما تطيق عوضا عن فقدك ما كنت في رحابه تشتاق وما كنت في حضوره أروع وأجمل وأكمل تقربا منك إلى الفناء الغادر
---------------------------
وللحديث بقية تأتي