الثلاثاء، 9 سبتمبر، 2008

شيطان الشعر

أبو سعيد عبد الملك بن قُرَيْب بن عبد الملك بن علي بن أصمع بن مُظَهّر بن رياح بن عمرو بن عبد شمس بن أعيا بن سعد بن عبد بن غنم بن قتيبة بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان الباهليّ (123-216 هـ) المشهور بالأصمعي. راوية العرب، وأحد أئمة العلم باللغة والنحو والشعر والبلدان. نسبته إلى جده أصمع. ومولده ووفاته في البصرة. كان كثير التطواف في البوادي، يقتبس علومها ويتلقى أخبارها، ويتحف بها الخلفاء، فيكافأ عليها بالعطايا الوافرة.
ولد في حي بني أصمع
بالبصرة، وفيها نشأ، ثم قدم بغداد في خلافة هارون الرشيد، وكان الرشيد يسميه "شيطان الشعر" مداعبة له. قال الأخفش: «ما رأينا أحداً أعلم بالشعر من الأصمعي». وقال أبو الطيب اللغوي: «كان أتقن القوم للغة، وأعلمهم بالشعر، وأحضرهم حفظاً».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و الأصمعي له قصة جميلة ونادرة في عالم الأدب ، تتحفنا بروعتها وذكاء بطلها وقدرته وتمكنه من موهبته ، وتحكي القصة بأن الشعراء والادباء كانوا قد اعتادوا على أخذ عطايا وهبات من الدولة العباسية نتيجة ما ينتجون من أشعار ومدح وأدب في حضرة ونطاق الدولة العباسية ، مما كلف الدولة العباسية الاموال الطائلة نتيجة كثرة الشعراء وكثرة ما ياخذونه من خزانة الدولة ، عندها لجأ الخليفة أبو جعفر المنصور لحيلة لكي يمنع ما كانوا يأخذونه وما كان يعطيه لهم دون إثارتهم عليه وبالحجة الدامغة التي تخرسهم عن المطالبة بشيء .
وقرر الخليفة أنه لن يعطي شاعر بعد ذلك إلا لو أتى له بقصيدة لم يسمعها الخليفة من قبل وسوف يعطي للشاعر الذي يأتي بذلك وزن قصيدته ذهبا ، غير أن الخليفة المنصور كان يحفظ القصيدة التي تلقى عليه من أول مرة يسمعها فيها ، وكان عنده غلام يحفظ القصيدة من مرتين ، وأيضا كانت له جارية تحفظ القصيدة إن سمعتها ثلاث مرات .
وعليه فمن كان يأتي للخليفة لكي يسمعه جديد شعره كان يعود خائبا دون أن يحصل على شيء لأن الخليفة كان يقول للشاعر بعد أن سمع قصيدته ، أنها ليست ملكه فقد سمعها من قبل بل ويحفظها عن ظهر قلب ، ويبدأ الخليفة المنصور بإلقاء القصيدة مرة أخرى على الشاعر الذي يخرس لسانه من الدهشة والعجب ، ثم يقرر له الخليفة إمعانا في التثبت من صحة كلامه بأن غلامه أيضا يحفظ هذه القصيدة ، ويطلب من غلامه الذي سمع القصيدة مرتين مرة من الشاعر ومرة من الخليفة في إلقاء قصيدة الشاعر ، ثم يقول الخليفة للشاعر أنه ايضا لديه جارية تحفظ هذه القصيدة ويستدعي جاريته التي سمعت القصيدة ثلاث مرات وتلقي القصيدة للمرة الأخيرة والتي يخرج بعدها الشاعر في قمة الخزي والخيبة لسببين ، أولا : أنه لم يتحصل على المال الذي جاء يطلبه من الخليفة ، ثانيا : لم يقدر أن يثبت أن ما طرحه على مسامع الخليفة هو من نتاج فكره ومشاعره لأن الخليفة أثبت له العكس .
واستمر الحال كذلك من خيبة أمل للشعراء ونجاح لفكرة الخليفة المنصور ، حتى جاء الأصمعي ملثما وحضر بمجلس المنصور وطلب منه أن يسمع قصيدته كي يربح الجائزة الذهبية ، وسمح له الخليفة بإلقاء قصيدته ، فقال الاصمعي :
صوت صفير البلبل هيج قلب الثمل
الماء والزهر معا مع زهر لحظ المقل
وأنت يا سيد لي وسيدي وموللي
فكم فكم تيمني غزيل عقيقل
قطفته من وجنة من لثم ورد الخجل
فقال لا لا لا لا وقد غدا مهرول
والخوذ مالت اطّرب من فعل هذا الرجل
وولولت وولولت ولي ولي يا ويل لي
فقلت لا تولولي وبيني اللؤلؤ لي
فقلت له حين كذا انهض وجد بالنقل
وفتية سقونني قهوة كالعسل
شممتها بأنفي أذكى من القرنفل
بوصف بستان حلي بالزهر والسرور لي
والعــود دندن لي والطبل طـب طـب لي
طـب طـب طـب طـب طـب طـب طـب طـب لي
والسقف قد سقسق لي
شوا شوا وشاهشو على ورق سفرجل
وغرد القمري يصيح ملل في ملل
ولو تراني راكبا على حمار أهزل
يمشي على ثلاثة كمشية العرنجل
والناس ترجم جملي في السوق بالقلقل لي
والكل كع كع كعيكع خلفي ومن حويللي
لكن مشيت هاربا من خشية العقنقل
إلى اللقاء ملك معظم مبجل
يأمر لي بخلعة حمراء كالدمدمل
أجل فيها ماشيا مبغددا للذيل
أنا الأديب الألمعي من حي أرض الموصل
نظمت قطعا زخرفت يعجز عنها الأدبلي
أقول في مطلعها صوت صفير البلبل
وسكت الأصمعي عن قول القصيدة فقد أنهاها ، وسكت الخليفة لدقائق لم يجب بشئ ،لم يستطع أن يحفظها لكثرة ما بها من أصوات وحركات أفقدته تركيزه ، ثم طلب الغلام وسأله إن كان يحفظ ما قاله الأصمعي فرد بالنفي ـ لم يحفظها أيضا لانه لم يسمعها مرتين ـ ، وسأل الخليفة الجارية فردت نافية لأنها لم تسمعها ثلاث مرات .
وبهت الخليفة ، لم يجد ما يدفع به ذكاء الأصمعي وجمال موهبته وحسن أدبه ، ولم يجد بدا أن يقول له : أحضر الورق الذي كتبت عليه قصيدتك حتى نعرف وزنه لنعطيك وزنه ذهبا ، فرد الأصمعي : إن بلدي ليس بها ورق ولم أجد غير عمود رخام يحمله أربعة أفراد فكتبت عليه ، بلع الخليفة ريقه ، وطلب من الجنود أن يذهبوا معه ليحضروا عمود الرخام .
ووزنوا عمود الرخام فأتى على ما في خزانة الخليفة من ذهب لم يبق له شيئا ، عندها نظر الخليفة للأصمعي وأمره بفك لثامه الذي على وجهه ، وأزاح الأصمعي اللثام فعرفه الخليفة ، وأعجبته حيلته ، وأتفق معه أن يرجع ما كان يعطيه للشعراء من قبل مقابل ألا ياخذ الذهب .
إرسال تعليق