الخميس، 11 نوفمبر، 2010

الحكاء ـ الراوي ـ الحكواتي


يعد الحكواتي واحدا من أهم وآخر الأشكال الحية المستمدة من التقاليد الشفاهية. تعني كلمة الحكواتي
باللغة العربية الراوي. أصل الفعل (حكى) يعود إلى عملية دمج بين الفعلين (حكي وحاكى) بمعنى قلّد أو تشبّه. أي أن تسمية الحكواتي تشير إلى شخص يريد أن يوصل شيئا إلى الآخر عبر الحكي والمحاكاة، عبر الإلقاء والتعبير الجسدي التشخيصي، عبر الغناء، الكلام، الترتيل والحركة. الحكواتي مشخّص جيد للسلوك الإنساني الحركي ولغاته الدارجة،
وهو كوميدي جدا حينما يقوم بسرد نكتة ومبكي جدا عندما يروي حكاية محزنة.


الحكواتي يوظف جسده، صوته ولغته (البانتوميمية) بغية التأثير على المشاهد، وهو يتلاعب بسياقات الحكي والقصة وتسلسلها لكي يبقى الجمهور مشدود إليه .

المواد التي يحكي عنها الحكوات

ي تتنوع تنوعا هائلا: ثمة قصص مكتوبة وأخرى شفاهية، قصص شهيرة، وأخرى مجهولة، قصص دينية وغير دينية، قصص غنائية وأخرى نثرية.


من أهم صفات الحكواتي هو أن حكايته متغيرة ومتأثرة بجمهور الليلة التي يتم فيها السرد أو الروي. ففي كل عرض يقوم الممثل (إذا صحّت تسميات عرض وممثل) بارتجال السياق الدرامي للحكاية لكي يلائم تلك اللحظة، ويقوم بتأويل جديد في عملية الإخراج. الحكواتي يربط بين قصص مختلفة معتمدا في تحديد تسلسلها على إحساسه بالجمهور.


إن عمليتي بناء خط توتر الحكاية وإسقاط شخصيات الحكاية المروية على الجمهور، هما عمليتان هامتان من أدوات عمل الحكواتي. الحكواتي يوزّع بعض شخصيات الحكاية (إذا صحّت تسمية توزيع الشخصيات) على الجمهور. مثلا: توجد حكاية عن عاشق وثمة فتى وسيم بين الحاضرين أو شاب تمت خطوبته حديثا. يعمد الحكواتي عندما تصل الحكاية إلى قصة العشق إلى إسقاط شخصية العاشق على الفتى الوسيم أو الذي تمت خطوبته حديثا ويتحدث معه وكأنه بطل الحكاية، وإذا تحدث ا
لراوي مع الخطيب الحديث فإن الجميع سيعرف أن العشيقة هي خطيبته مما يستدعي من الحكواتي الحذر في تحديد صفات العشيقة وتعديل مسار الحكاية هنا وهناك بحيث لا تتعرض للمساس بالفتى الوسيم ومحيطه الاجتماعي.

أحيانا يوجد ثمة شخص بين الحاضرين لا يروق للحكواتي لأسباب شخصية ربما أو بسبب عدم اهتمام ذلك الشخص بالقصة. يعمد الحكواتي على إسقاط الشخصية البغيضة على ذلك الشخص، ولكن بطريقة لبقة لا تدفع ذلك الشخص لمغادرة المكان. الطريقة التي يروي بها الحكواتي إذن هي عملية مزيج مستمر بين خط الحكاية، النص الجواني، ما وراء النص والموقف الشخصي للراوي من النص ومن الجمهور.

وجمهور الحكواتي بالطبع لي

س جمهورا سلبيا، بل هو جمهور فعال يشارك في تحديد مسالك الحدث. فعندما يبدأ الراوي حكاية عن بطل معروف ينقسم الجمهور إلى مجاميع: الواحدة تتخذ جانب البطل والأخرى تتخذ موقفا مغايرا. يركّز الراوي، وبفراسة، أثناء سرد الحكاية على معرفة موقف الجمهور (الايديولوجي!) لكي يتمكن بعد تخمين ردود أفعالهم ومعرفة مواقفهم من تقديم حكايته بطريقة متوازنة لذلك الجمهور. وتصل مشاركة الجمهور في عرض الحكواتي إلى مديات بعيدة في كثير من الأحيان: الجمهور (في المقهى مثلا) كثيرا ما يقوم بتهيئة أجواء المكان بشكل مسبق اعتمادا على عنوان الحكاية.


أما أثناء السرد فيستثير المشاهدون بعضهم وإذا ما حدثت مصادمات في الحكاية فأنها تنتقل أحيانا لتتحول إلى مصادمات حقيقية بين الجمهور.

بوعي وفهم واضح لمشاعر جمهوره يحاور الحكواتي الحاضرين ويتلاعب بمشاعرهم: في لحظة متوترة من الحكاية، يتوقف الحكواتي أحيانا عن السرد. ينهض ويغادر إلى بيته.


-------------------------------

النص أو المقال منقول من موقع شهريار

الصور من عرض أنا الحكاية بالجامعة الأمريكية نوفمبر 2010

للإشتراك في صفحة مجموعة أنا الحكاية على الفيسبوك اضغط (هنا)

إرسال تعليق