الأربعاء، 12 فبراير، 2014

تعذيب أم تهذيب (مشاهد خيالية واقعية)

مشهد (1):
ليل يوم الجمعة 7 فبراير 2014:
في حجرة جدرانها مطلية باللون الأسود، نورها خافت جدا يصدر من مصباح صغير مثبت بأعلى الجدار الذي به باب الحجرة، ولا يكاد يضيئ 5 سم حوله، يقف رجل قوي البنية بشارب كثيف ويعمل ضابطا في جهة أمنية، أمام باب الحجرة الموصد من الداخل، وفي منتصف الحجرة كرسي بدون مسند يجلس عليه شاب في الثلاثينيات من عمره نحيل الجسم، يرتدي ملابسه الداخلية فقط "فانلة حملات + بوكسر"، ويقطر من وجهه وملابسه قطرات عرق مختلطة بالماء الذي صب على جسده كمحاولة لإفاقته:
الصورة منقوله من هذا الرابط

الضابط بصوت هادئ: قوم أقف يااااااااااااد على رجليك.
الشاب: .........
الضابط "بصوت أعلى وبحزم أكثر": قوم أقف يا روح أمك يا نايتي.
الشاب يغمغم بكلمات غير مفهومة.
الضابط بصوت "يرج جدران الحجرة": اقف يا ابن الجزمة.
الشاب تميل رأسه على كتفه الأيمن، ويخرج من فمه رغاوي بيضاء كرغاوي الصابون، ولا يسمع منه أي صوت.
الضابط يتقدم تجاه مكان الشاب، ويرفع يده لأعلى في استعداد لصفعه على وجهه، وقبل أن ينزل يده لأسفل يقع الشاب من على كرسيه مائلا تجاه الضابط ويسقط منكبا على وجهه، لتستقر رأسه على قدمي بيادة الضابط.
الضابط يرفس رأس الشاب من على قدميه، ويخرج من باب الحجرة، صافقا إياه بشدة.

***
***
مشهد (2):
صباح السبت 8 فبراير 2014:
الضابط في مكتبه مع زميل له في نفس الجهة الأمنية، ويعمل بوظيفة مسئول حقوق الإنسان بها:
الصورة منقوله من هذا الرابط

الضابط (أ) : أنا مشفتوش يا باشا، أنا بس دخلته أحقق معاه بنفسي هنا في المكتب، طب ساكت ع المكتب بعد ما شرب اللمون.
الضابط (ب): طيب وأثار التعذيب اللي موجوده في جسمه؟

الضابط (أ): بقولك مشفتوش وملحقتش أتكلم معاه.

الضابط (ب): أيوه يعني ممكن يكون حصل قبل كده، قبل ما تقعد معاه يعني.

الضابط (أ): طيب ايه رأيك، وحياة ولادك .. أول ما جابوا العيال دي وفي العرض أنا قلتلهم محدش يمس الواد ده شكله ابن ناس، وأنا محرج عليهم أصلا يلمسوا أي حد .. الكلام ده قبل الثورة يا باشا .. إحنا اتعلمنا خلاص ومبقيناش نعمل أي حاجه مخالفة للقانون.

الضابط (ب): يعني انت شايف إن اللي في جسمه مخالف للقانون؟

الضابط (أ): يا باشا متوقعنيش في غلط .. مفيش حاجه في جسمه .. هو جاله هبوط في الدورة الدموية يمكن من الخضة أو عشان مكلش، معرفش بقى السبب إيه؟

الضابط (ب): أيوه بس ده في جسمه كدمات وسحجات، وحاجات تانية شكلها حصلت بألات حادة.

الضابط (أ): بص يا باشا إحنا ممكن ندي الواحد قلمين على بونيتين، ولو لزم الأمر شلوت خفيف، بس التعذيب الفظيع ده لأ .. منعملوش .. إحنا خبرة برضه مش لسه ولاد اليومين دول.

الضابط (ب): ايوه بس الواد اتعذب.

الضابط (أ): طيب ما هو ممكن يكون ده حصل قبل ما نستلمه .. أيه المشكله ؟ حد عارف هو كان فين؟

الضابط (ب): ايوه بس انت في محضرك مكتبتش إن حالته كانت بالشكل اللي أنا شفته ده؟

الضابط (أ): محضر ايه يا باشا .. المحضر يتقطع ويتعمل اللي انت عايزه .. كله يتصحح زي ما تقول.

الضابط (ب): تمام.
***
***
مشهد (3):
ليل الأحد 9 فبراير 2014:
حلقة من برنامج تليفزيوني من برامج التوك شو، يستضيف فيها المذيع اللامع أحد لواءات وزارة الداخلية:
الصورة منقوله من هذا الرابط

المذيع: إيه رأي حضرتك.
اللواء: بصراحة وفي الحقيقة وفي الواقع، إن بلدنا بعد الثورة اتغيرت وبقى فيها إشاعات كتير، ومستهدفة من ناس كتير، وأول جهة مستهدفة هي وزارة الداخلية، لأنها مصدر الأمن والأمان للناس، وهم عايزين يهدوا المصدر ده عشان يقدروا يخربوا في البلد.
المذيع: بس دي مش إشاعات.
اللواء: لأ طبعا إشاعات .. والدليل على كده إن محدش شاف حاجه، وكله بيتكلم ع الفيس وتويتر بدون أي سند أو إثبات.
المذيع: والناس تثبت إزاي وإنتوا اللي في إيديكم الجثة والمحضر وكل حاجه.
اللواء: لأ ده مش صحيح .. إحنا أكتر ناس متراقبين وعلينا تفتيش وكل الناس بصالنا في شغلنا، وكل اللي بنعمله ميعجبش، وكل أساليبنا غرضها التهذيب أولا واخيرا.
المذيع: التهذيب ولا حضرتك التعذيب؟
اللواء: حضرتك لو فيه تعذيب كانت النيابة أثبتت ده، لكن النيابة ما أثبتتش حاجه من ده، ولا وجهتلنا اتهام.
***
***
مشهد (4):
صباح الاثنين 10 فبراير 2014:
يقف مجموعة من المحامين الحقوقيين وأخرين من المهتمين بالقضية، أعمارهم ما بين 25 و 35 سنة،  في مكتب رئيس النيابة الشاب، يفوضون أحد المحامين للتحدث نيابة عنهم:
الصورة منقوله من هذا الرابط

المحامي: حضرتك أنا ساعات بتخيل نفسي رئيس نيابة، وبقول إنه لو كنت كده كنت المفروض هاخد إجراءات وأتدخل بأشكال متعددة لصالح العدالة والقانون والمجتمع، يعني أنا لو رئيس نيابة يبقى عندي حق أعمل تفتيش مفاجئ على الأقسام والسجون اللي في دايرتي وأشوف المتهمين المحتجزين، وأراجع المحاضر الموجودة ودفتر الأحوال بشكل عشوائي، على فترات مش بعيدة، عشان أحاول أقلل من اللي بيحصل فيها من تعذيب.
رئيس النيابة: ساعات كل واحد فينا بيتخيل إنه يقدر يعمل حاجات كتير، ولما يقعد في المنصب أو المكان اللي بيتخيل فيه نفسه مش بيعمل أي حاجه.
يعني بنفس المنطق لو أنا تخيلت إني محامي، فأنا بشوف طلبات غريبة من المحامين وعندي اعتراض عليها، وبقول إني لو مكانهم مش هطلبها ولأ اعمل زيهم.
المحامي: أيوه بس المحامي معلهوش رقابة غير ضميره .. وموكله يقدر يحاسبه لو قصر في شغله .. لكن النيابة أحاسبها إزاي؟ وأراقبها إزاي؟ في وظايفها ودورها اللي مش بتعملها؟
رئيس النيابة: يا أستاذ انت فاكر إن فعلا نقدر نعمل ده .. مش كل حاجه مكتوبة ع الورق نقدر ننفذها .. انا فعليا معنديش سلطة على الشرطة، ولا أقدر أروح القسم من غير ما أبلغهم، ولو بلغتهم انت عارف ايه اللي هيحصل، هروح ومش هوصل لحاجه .. ده لو زي ما انت بتقول فيه حاجه أصلا.
***
***
مشهد (5):
ليل الاثنين 10 فبراير 2014:
تجمهر لأهالي الشاب ضحية التعذيب في محيط حرم مشرحة زينهم.
والد الشاب يجلس جنب جثة أبنه في صمت وعلى وجهه أثار الفجيعة، ووالدته تصرخ وتنتحب بكل ما فيها من عزم على ضياع شباب إبنها، وبعض نشطاء الفيس بوك وتويتر الذين ينقلون الأحداث ويواسون أهل الضحية.
يقف ناشط ليلتقط بعض الصور لجثة الشاب وهي محمولة على الأكتاف في محاولة لعرضها على الطبيب الشرعي وتشريحها قبل الدفن.
الصورة منقولة من هذا الرابط

والد الشاب: حسبي الله ونعم الوكيل .. حسبي الله ونعم الوكيل.
والدة الشاب: إنتوا بتصوره إيه وتكتبوا إيه؟ ما راح خلاص .. كنتوا فين إنتوا؟ انتوا اللي قتلتوه .. إنتوا اللي عذبتوه.
ناشط (ب): إحنا بنحاول نساعدكوا .. ومش هنسيب حقه.
والدة الشاب: حقه ضاع زي ما هو ضاع في شربة مايه.
ناشط (ج): مش هنسكت يا أمي .. مش هنسكت .. يا هنجيب حقه يا نموت زيه.
والدة الشاب: كنتوا جبتوله شغلانه .. كنتوا بعدتوه عن الشارع اللي جاب أجله.
ناشط (د): يا امه ده قدره ونصيبه .. كان هيشوفه هيشوفه.
والدة الشاب تستأنف ردها في حشرجة وعويل: وليه يكون ده قدره ونصيبه، ليه ميكونش قدرك انت ونصيبك، ليه هو ميكونش معاه موبايل زي بتاعك ويقعد يكتب عن الناس اللي بتموت وبتتسجن، ليه يكون هو اللي يتسجن ويموت ناقص عمر، ليييييييييييه؟ ليييييييه؟
----------------------
ملحوظة: أي تشابه بين الواقع وأي مشهد سردي ورد في هذه التدوينة هو من محض الصدفة، وكل التواريخ المبينة والأماكن حتى وإن تشابهت مع الواقع فهي ليست حقيقة في حد ذاتها، لكن قد تتشابه مع تفاصيل حدثت وتحدث في الحياة اليومية العادية


إرسال تعليق