السبت، 7 فبراير، 2009

الحلاج وواقع مهضوم 2

ولما كان الحلاج قد أثار بكلامه غضبا للأخرين ، مما جعل حضوره بقوة في مجال تفكيري هذه الأيام .(*)
نعم .. فما فائدة الكلام إذا كان الصمت منا يجعلنا في مصاف الرضا من الأخرين .
أغضب أنا عندما يحاسبني أحد على رأيي الذي صرحت به من قبل ، أغضب أكثر عندما لا يكترث أيضا ببياني له إختلاف الموقف واختلاف الكلام أو الرأي المصاحب له تباعاً .
أعلم أنه : ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (1) ، كما أعلم أيضا أنه : لا يكب الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم (2) .
ما المقياس إذن ؟
يقولون أن الله قد خلق لنا أذنين وفما واحد لنسمع أكثر مما نتكلم ؟
هه .. وما فائدة الأذنان إذا كان الصمت لنا قاعدة ومنهاجا ؟
ولمن نؤثر الصمت إذا كان كثرة المتحدثين كغثاء السيل ؟! (**)
تعتمل هذه التساؤلات داخل عقلي كثيرا .. أحدث نفسي أحيانا ، لكنني لا أطيق ما بي وحدي ، يجب أن يتحمل الأخرون معي ما بي ، فلست أنا نبيا حتى يرسل الله إليّ جبريل عليه السلام ، ولا أزعم الولاية ليؤيدني الله بكراماته .
لكن لمن أوجه كلامي ؟ أعلم أنكم كلكم ستستمعون إليّ .. إلا أنه من عليه عبء الرد ؟
من عليه مسئولية إجابة أسئلتي ؟
يقول الشيلي صاحب الحلاج وتلميذه : (( أنا والحلاج شئ واحد، فأهلكه عقله وخلَّصنى جنونى ! )) ، في إشارة منه إلى إدعائه الجنون عندما واجهوه بكلامه لكي ينجو من القتل والاتهام بالمروق على الدين ، وذلك غير ما وقع من الحلاج فلم ينف ما قاله أو يدع الجنون ، لذا فقد قتل الحلاج شر قتلة ودخل الشيلي البيمارستان .
يقولون من تكلموا عنه من السابقين أنه عارض القرءان ، إلا أنه للأسف لم يأت واحد منهم بكلام له يعارض القرءان فيه ، أو يتشبه فيه بما نزل من ربي العليم .
عندي يقين أنه عندما يثور الخلاف حول امرء ، يكون هذا المرء صاحب نفسه ، أي أنه لا يبالي بالعامة ممن لن يفهموا ما درج إليه أو ما ولجت إليه روحه .
وأن هذا المرء ما ينطق لأجل رضوان أحد أو لسخط أحد ، بل ينطق لنفسه ويدون لها تاريخا تحتفل به عندما يفارقها في أخر المطاف .
لم تكتمل الصورة عن الحلاج بعد ، فلست أنا برسام لشخصيات التاريخ ، ما أنا إلا أخذ دلالة لنفسي تعينني على إجابة أسئلتي ، فأنا السائل والمجيب .
يقول الحلاج عن المزج الذي اتهموه به : (( مَنْ ظنَّ أَنَّ الأُلُوهِية تَمْتَزِجُ بالبَشَريَّةِ، فقَدْ كَفَر )) .
وعن الحلول المتهم به أيضا يقول : (( إِنَّ مَعْرِفَةَ اللهِ هِىَ تَوْحِيدُهُ، وتَوْحِيدُهُ تَميُّزُهُ عَنْ خَلْقِهِ، وكُلُّ مَا تَصَوَّرَ فِى الأَوْهَامِ فَهْوَ ــ تعالى ــ بِخِلاَفِهِ ، كَيْفَ يَحُلُّ بِهَ، مَا مِنْهُ بَدَأ .. )) .
(( (طاسين الأزل والالتباس) ما نصُّه : اشتقَّ اسم إبليس من رسمه ( يقصد : لأنه التبس عليه الأمر فى الأزل) فغيِّر عزازيل، العين لعلق همته (يقصد : لأنه تعلَّق بالله على التجريد فلم يسجد لغيره) والزاى لازدياد الزيادة فى زيادته (يقصد : لأنه أزاد على كونه طاووس الملائكة، كونه الوحيد الذى لم يسجد لغير الله) والألف إزادة فى أُلفته ، والزاى الثانية لزهده فى رتبته، والياء حين يهوى إلى سهيقته، واللام لمجادلته فى بليَّته، قال له : ألا تسجد يا أيها المهين؟ قال : محب ، والمحب مهين، إنك تقول مهين، وأنا قرأت فى كتاب مبين، ما يجر علىَّ ياذا القوة المتين ، كيف أذل له وقد خلقتنى من نار وخلقته من طين..
ثم يقول الحلاَّج : يا أخى ، سُمِىَ عزازيل، لأنه عُزِلَ، وكان معزولاً فى ولايته؛ مارجع من بدايته إلى نهايته، لأنه ما خرج عن نهايته.. والمقصود بالنهاية هنا، إدراك ابليس ــ وهو أعرف العارفين بالله ــ أن الأمر الإلهى له كان ابتلاءً، وأن المعصية مقدرةً عليه فى الأزل ، وأنه لن يخرج عن دائرة المشيئة الإلهية التى اقتضت كل ما جرى! ))
إذن هل كان الحلاج خاطئ عنما صرح بما في نفسه ؟
وهل كان ما في نفسه هذا خطأ كبير وإثم عظيم ؟
ليتني يا حلاج أدركتك ، ليتني عشت أيامك لأكون على حقيقة من أمري .
وبعد ..
ماذا بعد ..
لاح لي الأن موقف أتذكره جيدا ، كان هذا الموقف بين إمامين جليلين وخليفتين عظيمين ( عمر وعلي ) رضوان الله عليهما ، وكان معهما صحابي أخر لا أتذكر اسمه .
تروي لنا قصة هذا الموقف أن هذا الصحابي قد دخل على عمر بن الخطاب صبيحة يوم ، فسأله الفاروق رضي الله عنه : كيف أصبحت ؟ ، فأجابه الصحابي : أصبحت أحب الفتنة وأكره الموت ولي في الأرض ما ليس لله في السماء ..
تعجب الفاروق منه ، واستشاطا غاضبا ، وكاد أن يفتك به لولا أن دخل عليهما باب مدينة العلم ( علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ) ، فوجه إليه الفاروق يستنيره فيما وقع من كلام الصحابي يقول : تعال لتر ما يقول صاحبك ، فسأل علي بن أبي طالب عما حدث فأخبره بما كان من سؤاله وما كان من إجابة الصحابي .
فابتسم سيدنا علي مجاوبا سؤال أمير المؤمنين عمر، بأنه يقصد من قوله أنه يحب الأموال والأولاد وهما فتنة ، ويكره الموت والموت حق وله نساء وأولاد مغايرا لحال رب العزة الذي ليس له صاحبة ولا ولدا .
فكان رد الفاروق على ذلك : بئس المقام بإرض ليس فيها أبا الحسن يقصد بقوله هذا أنه لولا سيدنا علي وحضوره في هذه الساعة لكان له شأن أخر مع الصحابي ، وربما لكان الفتك به ، فوجود سيدنا علي منع ارتكاب اثم من الخليفة وبين ما عصى من فهم عليه .
إذن فما أقرب الأمس من ذاك اليوم .
هل لنا أن نستحضر روح سيدنا علي في كل زمان ومكان حتى يبين اللبس ويزيل العسير من القول .
وأنى لنا أن نجد ( العلي ) ، أنى لنا بعلي .
تتجلى هذه الأزمة الأن وأنا أسمع عن قرب صدور كتاب للدكتور / مبروك عطية الأستاذ بجامعة الأزهر ، والذي ينوي اصدار كتاب عنوانه ( البيان الحرام ) ، أشعر من اسمه أنه سيتحدث عن المحرم من القول وما يجب علينا أن نلتزمه في حديثنا وأقوالنا .
أرجو ألا يصيبني هذا الكتاب بالخيبة ، أرجو أن يكون أحسن مما أتوقع .. لعله ذلك إن شاء الله .
---------------------------------------------
هـــــامش
(1) القرءان الكريم .
(2) الحديث الشريف .
إرسال تعليق