السبت، 27 أبريل، 2013

عن استعداء واستدعاء العنف

الصورة منقولة 



لو خيرتني أنا أعيش مسالما أو أن أعيش عنيفا لاخترت الأولى وتركت الثانية. فلا أحد مهما كان سيطرته وقوته يضمن أنه سيظل دائما الأقوى والأعنف. ولا أحد يستطيع أن يعيش في مجتمع يقدس العنف ولا يحترم الأخلاق والمبادئ مهما بلغ عنفوان جماعته وتنظيمه.
يأتي هذا الأمر في ظل ظهور تنظيمات أو إعادة إنتاجها لاستخدامها في محاولة تشكيل موجات عنف تحمل شعارات ثورية وأحلاما معنوية بالقصاص للشهداء واسترداد الدماء ويزيد ذلك تغليف المناصرين والمؤيدين لفكرة أننا لن نحيي ثورتنا ونزيد اشتعالها إلا إذا حملنا أرواحنا على أكتافنا ورمينا أنفسنا في ميدان العنف ليصبح الأمر مختصرا في أن الثورة هي العنف واستعمال العنف من أجل الثورة.
لا أرى هنا موقفا معيبا في من اتخذ صف هذه الفكرة وحرض عليها فالحقيقة أننا لم نصل لحكم الثورة حتى تاريخ اللحظة، ولم تدخل الثورة في شرايين المؤسسات أو في كيانات الدولة على الرغم من وجود أفراد ينتمون لها بداخلها لكنهم لم يعرفوا بعضهم كجماعة واحدة ولم يستخدموا انفسهم داخل تنظيم متحد المنهج والأفكار والطريقة، وعلى نفس المستوى من وجود "الإخوان المسلمين" على رأس السلطة التنفيذية والتشريعية إلا أنه يجد صعوبة بالغة في اختراق معظم الكيانات الدولة ومؤسساتها، ولا يجد فرصة للتمكن فيها وإخضاعها لمنظومته ورؤيته وخطط أعماله إن كانت له خطط غير الأخونة طبعا.
بصفتي أمارس المحاماة من زمن تخطى 10 سنين وعرجت في عملي على قضايا العنف سواء كنت مدافعا عن المتهم أو عن المجني عليه فما وصلت في أي قضية وكلت فيها إلى الحصول على نتيجة مرضية محققة لأي من الطرفين بسبب استخدام العنف وكانت الأطراف في لحظة ما أكثر تقبلا للسلام والحل السلمي.
لكن في الثورة وقضاياها أنت معرض لأن يلصق بجوار اسمك لقب "خائن" و "عميل"، لأنك نكصت عن تأييد فكرة العنف، وليس لك أي وجهة نظر تحترم حينما تقرر أن الدماء التي سالت تكفي لأن تكره حياتك ومستقبلك.
ولو وقفت في إحدى وقفات الثورة أو مظاهراتها وجعلت نفسك مراقبا لسلوكيات بعض المتظاهرين واتخذت على عاتقك أن تنبه بعضهم إلى أن يكون مسئولا عن تصرفاته التي قد تستعدي "كلاب الداخلية" وقد تستدعي في عقولهم رضاءا وارتياحا ومشروعية في الهجوم وممارسة العنف ضد المتظاهرين، ستكون معرضا للمزايدة التي إن كانت ظاهرها الحقيقة فباطنها النفاق.
ولا يخفى عليكم أن الثورة مثلما تمتلى بالمناضلين والأبطال والأحرار كذلك تعج بالمنافقين والكلامنجية والزياطين، ومن يركبون الموجة ركوب الشياطين.
لا أعرف دينا أو عقيدة أو فكرة تدعو إلى العنف إلا واعترضت الإنسانية عليها واختلفت على فكرتها، ولم أعرف تاريخا أثنى على جبار أو متكبر أو سفاح مهما بلغت إنجازاته وقلاعه وحصونه، وكل مشاهد التاريخ تذكرنا بأن لكل جبار نهاية مؤلمة.
تسألونني هنا ألسنا فريسة بسلامنا ؟! واستسلامنا؟! 
أقول لكم ليس السلام معناه الاستسلام .. وليس العنف جهادا ولا ثبوتا على الحق ولا استشهادا.
تسألونني عن التار الذي بيننا وبين العسكر، ومشاهد القتل والتعذيب والسحل والإرهاب الممنهج للداخلية والنظام؟!
أقول لكم ليس التار مهنة ولا حرفة ولا عمل يومي، وهو بذلك فعل جاهلية تخلصت منها الأمم وليس هناك معنى بأن نرجع للوراء إلا لو اتفقنا على الرجوع للعيش في زمن الغابة.
تسألونني عن الحل ؟!
أقول لكم الحل يبدأ بمعرفة شخص القاتل تحديدا يقينا، ومحاسبته محاسبة منصفة عادلة تضمن حق الدفاع، والعنف الذي يشرع في هذه الحالة هي عنف الردع وليس عنف الاستعداء.
تسألوني وكيف نتفق على الحل ونحن عصبة تفرق شبابها بين القبائل؟
أقول لكم التنظيم هو الحل .. ومشاركة الرأي والاتفاق هو الحل .. أن تسير لوحدك ليس حلا .. وأن تخلق لك عصبة تساعدك على عنفك ليس حلا .. وأن تشجع على العنف ولا تستطيع السيطرة عليه ليس حلا .. بل فخا ستكون أول الهالكين فيه.
إن استدعيت العنف واحتضنته فلن تهنأ بحياتك وستظل طريدا ومطاردا من الطبيعة والكون والبشر .. وسيفشي سرك من طاوعوك ومن ناصروك حتى وإن ظننت أنكم على قلب رجل واحد.
إن ظننت نفسك أيقونة ورمزا بعنفك .. فأنت في كل الأحوال خاسر.
ولك في ميليشيات الإرهابيين عبرة .. سيرفضك مجتمعك وسيلفظك .. وسيقدمك قربانا للسلطة على طبق من تبن لنيرانها.






إرسال تعليق