الثلاثاء، 28 أكتوبر، 2008

شجرة البعد


أحسست برغبتها في البعد ، قلت لنفسي : لعلنا نفتقد حرارة الاشتياق ، اتكأت على أعصابي قليلا وأنا أردد ما قالته في جلستنا الأخيرة : "" لو اتصلت بيا تاني مش هرد عليك ، أنا خلاص زهقت "" ، تعجلت أنا في الرد على كلامها ، نعم تعجلت ، أه يا ويلي .. "" هوه الحب بهدلة كده "" .
"" لكن أنا أعمل ايه ؟ هو أنا بعمل كده عشان خاطر مين ؟! "" عشان خاطرها والله .. "" .
هكذا أنا دوما متردد في قراراتي وتفكيري وانفعالاتي ، لا أجيد التحكم بمجريات الأمور ، وأتركها للصدفة والحظ المزعومين .
ليتني كنت جمادا أبكم لا يقدر على شيء ، ليتني كنت ظلا لشخص أخر ، ليتني .... آه ..
أخرجت من قلبي وعقلي كل شيء في هذه اللحظة ورميت ما بهما في بحر النسيان ، وكان هي الضيف الدائم والطيف الحائل بيني وبين نفسي التي ليس لها ذنب فيما أنا جررتها إليه من عذاب ومرار .
أشك إن كانت تعاني حبيبتي ما أنا أعانيه ، فهي دائمة التهديد بالإنفصال ، ودائما ما تضع المحاذير وتعدد لي المخاطر ، كما لو كانت قاموسا لأبجدة الحب وكتابا لقواعد العشق الأمثل .
"" هوه احنا ايه .. إحنا بشر مش ملايكة "" .
ترددت داخلي كل كلمات التأنيب والتهديد التي طالما أصرت على طرحها في كل مقابلة بيننا ، ورددت في نفسي : "" بس انا بحب عشوائيتي وفوضويتي "" ، "" انت بتعملي معايا ليه كده "" ، "" وليه نتعب نفسينا بس ؟ "" .
أعرف أنك هدية الله لي ، وأعرف أنك كل شيء لي ، وأعرف نفسي . "" طب ليها انت مش عايزة تعرفيني زي ما أنا عارفك ، وليه مش تسامحي وتقدري إني بوصل الليل بالنهار عشان يجمعنا بيت واحد "" .
هل الحب في ذاته ألما للمحبوب والحبيب ؟! وما أشد ألامه عليّ هذه الأيام !! وهل تسبيحي بحبك كان خطئا كبيرا ؟! وهل كان جنوني بحبك أكبر مني شدة وألما ؟!
ليتني ما امتلأت بك انشغالا وعشقا !! إني الأن أغرق في بحر لُجي .. "" يا ريت اللي جرى ما كان "" .
اليوم جئت تنكرين كل حب ، تشعلين نار خطأي وصوابك ، تختفين من دنيا كنت أنت فيها كل شيء ، تعتصمين وراء أوهامك التي صنعتيها لنفسك كي تنفك عرى أحلامي السعيدة شيئا فشيئا إثر اصطدامي بفراقك .
"" ربي لا تكلني إلى بعيد يتجهمني .. " ، أوه .. تعبت .. تعبت .
إن كانت تريد موتي فلها ما تريد ، سأدعها تقرر نهايتي كي تبكي علي دماً ولكي تكون حياتها ملوثة بدماء قلبي للأبد ، ولأكن شبحا يهدد استقرارها وحياتها فيما بعد .
لكن .. من الممكن أن .... كفاك شر نفسك وارحم قلبك ، فيما تفكر ؟! ما أصابك منها يكفي لملء البحر كرها ، ألم تهدم بيت أحلامك بلا أدني شعور بضياعك ، ألم تقطع شريان وصالك ، وتركتك تنزف من حبك الذي كان بقلبك الضعيف .
لا ...... سأتصل بها مرة أخيرة ، علها تعفيني مما أنا فيه ، "" هه .. مش هترد عليك كالعادة ... مش هترد يابني ، ماتحاولش ، ولا حاول ، خليها تتحكم فيك .... بقولك مش هترد "" ، قالت نفسي وصوت ضحكات سخريتها يجول بإحدى أذني وأنا أسمع بالأذن الأخرى صوت جرس الهاتف في انتظار نتيجة أخر محاولاتي أن ترد على نداء هاتفي ، إلا أن مرور كل ثانية علي من ساعة طلبي لرقمها تمر علي تنبئ بأنها لن ترد .
"" ألو .. حبيبتي إزيك .. أنا محتاجلك قوي .. مش قادر على زعلك ، والله بجد مش قادر .. "" ، أثارني صوت بكائها عند سماعها لعباراتي الأخيرة ، لم أمهلها فرصة للرد ، ولم أسمع منها غير صوت دموعها وهي تنزل على خديها ومنها على سماعة هاتفها ، أحسست بلهفة الرجوع منها عن قرارها في سكوتها الذي دام طويلا وثقيلا .
"" والله مش قادر ، بحبك أكثر من نفسي ، مش هاعرف أعيش بعدك ، لو مش هترجعي يبقى أموت أحسن .. أيوه .. أنا ماقدرش أعيش من غيرك "" .
"" أسكت بقى .. "" ، كان ردها عنيفا ، جارفا كل معنى للحب صدر مني ساعتها ، لم أدركه أولا .. "" انت إيه ، بتفكر في نفسك وبس ، مش عارف حاجة غيرها ، انت متقدرش تبعد عني عشان نفسك وبس ، مش عارف حاجة غيرها ، انت متقدرش تبعد عني عشان انت أناني مش عشان بتحبني "" .
أصطدمت بعباراتها المتتابعة وانفجرت بدوري في البكاء ، كنت غارقا في بكائي وتعثر علي أن أخفض صوتي ، "" انت أكيد بتكلمني عشان نتقابل ونحل الموضوع ، طيب يا سيدي .. أنا هقابلك بكره وهحل الموضوع ده خالص ، بكره الساعة خمسة عند الشجرة "" .
أنهت هي المكالمة بعد أخر كلماتها بتحديد ميعاد ومكان المقابلة وأنا في ظل حشرجة حلقي وخرس لساني واندفاع بكائي ودموعي .
لملمت ما تبقى مني بعد ما أمنيت نفسي بما سيكون غدا عند مقابلتها ، ذهبت أتوضأ لأصلي لله شكرا على ما حدث ، إلا أنني بكيت في صلاتي بكاءا حارا ولم أدر كم صليت ، وبماذا صليت .
الآن أنا أنتظر قدومها على أحر من الجمر ، باقي على موعدها نصف ساعة كاملة ، أخذت في التأمل خلالها .. لفت انتباهي ما خططناه بيدينا على الشجرة التي كانت دائما محل لقاءاتنا الأولى ، ها هما اسمينا .. " ياه " .. ما زالا موجودين لم يمحهما الزمن ، يالك من شجرة وفية ، تصون الحب ، وتحفظ عهده .
أفقت من تأملي على صوت قدومها وطرق حذائها المعهود على أرض المكان ، شاهدتها تخفي عينيها وراء نظارتها السوداء ، سألتها الجلوس ، فلم تبدي أي إشارة للموافقة أو الرفض .
"" أنا مش جاية أحب ، أنا جاية أنهي قصة الحب الفاشلة "" .. "" طب ليه ، هوه أنا .. "" ، لم تتركني أكمل كلامي ، رمتني بخاتم الحب الذي كان بيننا ، وأعطتني ظهرها سريعا .
ودعتها بقولي : "" وانا لسه بحبك "" ، إلا أنها لم تعرني انتباها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تنبيه : القصة فكرة / كريمان زمزم ....... معالجة ادبية / أحمد حشمت
إرسال تعليق