الثلاثاء، 9 أكتوبر، 2012

العفو عن الرئيس


حسبما ورد في المصادر الإعلامية أنه قد أصدر الرئيس محمد مرسي، قرارا بالعفو الشامل عن مرتكبي الجرائم التي ارتكبت لمناصرة ثورة 25 يناير وتحقيقاً لأهدافها ، وجاء نص القرار انه يعفي عفواً شاملا عن الجنايات والجنح والشروع فيها التي ارتكبت بهدف مناصرة الثورة وتحقيق أهدافها في المدة من 25 يناير سنة 2011 وحتي 30 يونيو سنة 2012 فيما عدا جنايات القتل العمد.

ويشمل هذا العفو المحكوم عليهم أو المتهمين الذين لم تزل قضاياهم في دور التحقيق، أو أمام المحاكم بأنواعها.
وينشر النائب العام والمدعي العام العسكري كل فيما يخصه في جريدة الوقائع المصرية، وجريدتين واسعتي الانتشار خلال شهر من تاريخ نفاذ هذا القانون بأسماء من شملهم العفو تطبيقا.

وأضاف القرار " يكون لمن اغفل اسمه أن يتقدم بتظلم بغير رسوم للنائب العام أو المدعي العام العسكري بحسب الاحوال خلال شهر من تاريخ نشر الاسماء المشمولة بالعفو، ويترتب علي التظلم وقف اجراءات التحقيق أو المحاكمة.

ويفصل في التظلم في موعد اقصاه 30 يوم من تاريخ تقديمه فاذا رأي النائب العام أو المدعي العام العسكري رفضه ، احالة من تلقاء نفسه الي لجنة الفصل في التظلمات.

تشكل لجنة أو أكثر للفصل في التظلمات برئاسة نائب لرئيس محكمة النقض وعضوية أحد قضاة محكمة استئناف القاهرة وأخر من المحكمة العليا للطعون العسكرية يحددهم رئيس كل محكمة وتصدر قراراتها بأغلبية الآراء .

وتعلن اللجنة المتظلم بميعاد ومكان جلسة نظر التظلم قبل موعدها ب3 ايام علي الأقل، بكتاب مسجل مصحوب بعلم الوصول.

فاذا كان المتظلم محبوساً فصلت اللجنة في أمر الحبس وفقا للضوابط المنصوص عليها بالمادة 143 من قانون الاجراءات.

لا يجوز الطعن علي قرارات لجنة الفصل في التظلمات بأي طريق من طرق الطعن ويترتب علي رفض التظلم استئناف السير في اجراءات التحقيق أو المحاكمة .

اذا لم يبدأ التحقيق في إحدي الجرائم المنطبق عليها هذا القانون الا بعد نشر الكشوف ودفع المتهم بأن العفو يشمله ورأي النائب العام أو المدعي العام العسكري غير ذلك رفع الأمر الي لجنة الفصل في التظلمات للفصل فيه.

وينتهي القرار إلى أنه "لا يؤثر العفو الممنوح وفقاً لهذا القانون علي أي حقوق مدنية للغير عن الجرائم محل العفو".

وحيث أن هذا القرار هو القرار الذي طال انتظاره من الرئيس المنتخب لذا فهو على درجة عالية من الأهمية التي تقتضي النظر في نتائجه وفوائده على أصحاب القضية من الذين تعرضوا للقبض والتحقيق والمحاكمة طوال المدة التي جاءت في صدر القرار من 25 يناير 2011 وحتى 30 يونيو 2012.

وبالتالي فأننا هنا نحاول أن نفهم ماهيته و تأثيراته المستقبلية.

خاصة أن عدد المتهمين فى الأحداث الكبرى من 25 يناير 2011 وحتى 30 يونيو 2012 يتراوح عددهم ما بين ألفين و3 آلاف متهم طبقا لتصريحات المستشار محمد فوزي المتحدث الرسمي باسم لجنة حماية الحرية الشخصية المعروفة إعلاميا باسم لجنة (المحاكمين عسكريا).

 أولا: ما هو العفو الشامل:

هو قانون تصدره السلطة التشريعية (البرلمان) بغرض محو الصفة الاجرامية عن جريمة أو أكثر يحددها القانون أو عن شخص أو اكثر لجرائم تم ارتكابها وتظل لها الصفة الاجرامية بعد صدور هذا القانون.

وفي حالتنا هنا سيصدر من الرئيس بصفته المشرع وليس رئيسا للسلطة التنفيذية.

ثانيا: لماذا يتم استخدام العفو الشامل:

يستخدم كنوع من أنواع التصالح الذي يلجأ إليه النظام السياسى فى الدولة مع المعارضين أو الخصوم، أو لغرض نسيان حقبة معينة من تاريخ الدولة، أو قد يلجأ الية النظام السياسيي الجديد لإصلاح مساوئ النظام السابق.

ثالثا: تطبيقات العفو الشامل فى مصر :

صدر عدة قوانين للعفو الشامل فى مصر فى ظل قانون العقوبات الحالى وأبرزها هى المرسوم بقانون رقم241 لسنة 1952 والذى وقع فى مصر مابين 26 اغسطس سنة 1936 و23 يوليو 1952 .

راجع أحكام النقض بشأن تطبيق القانون السالف ذكره.

 

رابعا: أثاره:

طبقا للمادة 76 من نص قانون العقوبات المصرى التي تنص على أنه:  ((العفو الشامل يمنع أو يوقف السير في إجراءات الدعوى أو يمحو حكم الإدانة . ولا يمس حقوق الغير إلا إذا نص القانون الصادر بالعفو علي خلاف ذلك)).

أ) بالنسبة للدعوى الجنائية:

ـ إذا صدر هذا القانون قبل رفع الدعوى امتنع على النيابة العامة رفعها وهنا يكون لدينا حالتين:

الأولى: إذا كان قد بدا التحقيق فيها فللنيابة أن تصدر أمرا بألا وجة لاقامتها.
والأخيرة: إذا كان التحقيق لم يبدأ بعد فتصدر لنيابة قرارا بحفظها.


ـ إذا صدر القانون بعد رفع الدعوى ودخولها فى حوزة المحكمة فعلى المحكمة أن تمتنع عن الاستمرار فى نظرها كما تحكم بانقضاءها إستنادا لقانون العفو الشامل.


ب) بالنسبة لحقوق المضرورين والمدعين بالحق المدني:

وهذا الأمر يرتبط بقواعد القانون المدنى فيما يرتبه من أن كل خطا سبب ضررا للغير يلزم مرتكبية بالتعويض. 

كما يرتبط بقواعد قانون الاجراءات الجنائية حيث أن الاصل أن العفو الشامل لا يمس حقوق الغير الا اذا نص القانون الصادر على خلاف ذلك وهذا ما نصت عليه المادة 259\2 من قانون الاجراءات الجنائية التي تنص على أنه: ((نقضي الدعوى المدنية بمضي المدة المقررة في القانون المدني ، ومع ذلك لا تنقضي بالتقادم الدعوى المدنية الناشئة عن الجرائم المنصوص عليها في الفقرة الثانية من المادة 15 من هذا القانون والتي تقع بعد تاريخ العمل به . وإذا نقضت الدعوى الجنائية بعد رفعها لسبب من الأسباب الخاصة بها فلا تأثير لذلك في سير الدعوى المدنية المرفوعة معها)).

وهذا قاصر على أن تكون الدعوى المدنية تابعة للدعوى الجنائي.

وقد ينص قانون العفو صراحة على سقوط الحقوق أو الدعاوى أو الاحكام الصادرة فيه وهو أمر نادر الحدوث ولم يحدث في حالة القرار الصادر في حالتنا هذه. وإذا حدث يجب على الدولة تعويض المضرور من الجريمة.

خامسا: خصائصه:

ـ العفو الشامل ذو طابع موضوعى لأنه ينفى ركن من أركان الجريمة وهو الركن الشرعى ولكن قد تكون لة أثار إجرائية. 

ـ العفو الشامل يمتد ليشمل جميع المساهمين فى الجريمة بوصفهم شركاء .

ـ  له أثر رجعى يمتد حتى لحظة ارتكاب الفعل.

ـ  هذا العفو يصادر على سلطة التحقيق أو الحكم تجاه إعطاء أي تكييف الفعل .




سادسا: التطبيق العملي للعفو الشامل في حالتنا:

من الإطلاع على تصريحات مستشار الرئيس المتضاربة (تصريح 1 ، تصريح 2) بشأن قانون العفو الشامل أرى أن القرار الصادر والمتداول فحواه في وسائل الإعلام أعطى لفظا مطاطا ويحتاج للتفسير ومن الممكن الإختلاف عليه حيث لم يقطع بالحالات الإجرامية التي  تعد مناصرة للثورة من عدمه وأدخلنا في متاهة خضوع هذه التفسيرات لأمزجة شخصية حسب رؤية النائب العام والمدعي العام العسكري المكلفبن بتنفيذ القرار.

ثم بعد ذلك في حالة رفض السابق ذكرهم تطبيق القرار على أي من الحالات الإجرامية يكون له التظلم أمام لجنة للتظلمات ستشكل برئاسة نائب لرئيس محكمة النقض وعضوية أحد قضاة محكمة استئناف القاهرة وأخر من المحكمة العليا للطعون العسكرية يحددهم رئيس كل محكمة وتصدر قراراتها بأغلبية الآراء .

وهذا الأمر سيدخلنا أيضا في نفس الأمر الخلافي لعدم وجود معايير واضحة ومحددة لنوعية الأحداث أو الجرائم التي تخضع للقرار أو تنطبق عليه كما أن القرار لم يلزم أي أحد بأن يكون قرار الرفض مسببا كما حصنه من عدم الطعن عليه بأي شكل من الأشكال رغم عدم دستورية ذلك.

غياب هذه المعايير وعدم وضوحها للكافة تشكك في المصلحة المرتجاه من قرار العفو الشامل كما تظله بمظنة وشكوك عدم الحياد وغياب العدالة التي تعتمد على التجرد والعمومية.

وعلى الرغم من إشادة بيان مركز هشام مبارك بالقانون الصادر بالعفو إلا أنه تحفظ عليه في بعض النقاط:

1- استبعد الشرط الزمنى والموضوعى الوقائع التى ارتكبت لبواعث سياسية منذ 1981 وتمت محاكمتها أمام القضاء الإستثنائى أو العسكرى وهو الأمر الذى شرع مجلس الشعب فى مناقشته قبل أن يحل كأثر لحكم المحكمة الدستورية وهو جهد يصلح للبناء عليه.
2- استبعد القيد الزمنى الوقائع التى إرتكبت بعد 30 يونيو 2012 والتى ينطبق عليها الشرط الموضوعى كوقائع العباسية مثلا 

3- استبعد الشرط الموضوعى المواطنين العاديين الذين إكتووا بنيران القضاء الإستثنائى والعسكرى سواء داخل النطاق الزمنى أو خارجه خاصة الأحداث وصغار السن
يرى المركز ضرورة تضافر الجهود لما يلى:
أولا: حسن تطبيق القانون والتظلم من تطبيقه
ثانيا: الضغط سويا لتحقيق المزيد من الخطوات لتشمل الفئات المذكورة فى الملاحظات السابقة.

وفي بيان صدر سابقا من الأستاذ أحمد سيف الاسلام عضو لجنة الحرية الشخصية وضح فيه أن توصيات اللجنة استبعدت جرائم محددة من العفو الشامل :
وهي الجرائم التي سبق للجنة أن استبعدت تصور وقوعها بمناسبة أو بسبب أحداث الثورة واستبعدت وقوعها من ثائر؛ ومنها جرائم (القتل – التخابر – الاتجار في المخدرات - الإرهاب والبلطجة – الخطف – هتك العرض- الإغتصاب – الرشوة – سرقة المال العام – التعدى بسلاح على موظف عام أو مكلف بخدمة عامة – السرقة بالإكراه – جلب السلاح أو المخدرات عبر الحدود
).

ويتضح هنا أن بعض الجرائم المستبعدة من الاستفادة من قانون العفو طبقا لتوصيات اللجنة هي جرائم محال بها بعض متهمي أحداث الثورة للمحاكمة بشأنها ونفذ على بعضهم أحكاما صادرة من المحاكم العسكرية على هذه الوقائع.

فقانون العفو الصادر من الرئيس يفتقد لمذكرة تفسيرية تحدد وتفسر الألفاظ المطاطة الواردة فيه وتمنع التلاعب المتوقع حصوله من الجهات التي تختص بتنفيذ القانون.

ووإلا إذا لم يطبق القرار بالشكل الذي كان الشعب يبتغيه وانحصر دوره في استكمال الـ"شو" الإعلامي وتلميع الرئيس سيكون ذلك محبطا ومؤذيا كالحالة التي خرج علينا فيها مجلس الشعب بتعديل قانون القضاء العسكري يسمح بمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية رغم ترويجهم أن هذا القانون المعدل يلغي المحاكمات العسكرية ولكنه كان كذبا ورياءا ونفاقا للبسطاء وليس بالكذب والرياء يكسب التأييد.

وفي حالة أن يكون القرار كذبا ورياء ونفاقا وهو اقرب إلى ذلك الأن.. فالسؤال ساعتها:

هل نحتاج من الرئيس مرسي العفو عن المتهمين منا أم هو الذي سيحتاج أن نعفو عنه؟

إرسال تعليق